Résumé:
لم يعد الإعلام، في تحوّلاته المعاصرة، مجرّد أداة تقنية لنقل الوقائع أو وسيطا محايدا لتداول الأخبار، بل غدا بنية رمزية معقّدة، تضطلع بوظيفة أعمق وأخطر، هي إنتاج الفكر والمعرفة، وصناعة الوعي، وصياغة أنماط الإدراك التي يرى الأفراد والمجتمعات من خلالها ذواتهم والعالم من حولهم، لقد انتقل الإعلام من كونه ناقلا لما يحدث، إلى كونه فاعلا في تحديد كيف نفهم ما يحدث، وما الذي نعدّه مهما أو ثانويا، مشروعا أو هامشيا، ممكنا أو مستحيلا.
في قلب هذا التحوّل البنيوي، يبرز الإعلام الثقافي بوصفه المجال الأكثر حساسية وتأثيرا، لأنّه لا يشتغل على الحدث العابر، بل يتوغّل في طبقات الوعي العميقة، حيث تتشكّل التمثلات الجماعية، وتُبنى الذاكرة، وتُعاد صياغة الهوية، وتُنتج القيم والمعايير.
الإعلام الثّقافي لا يخاطب اللحظة، بل يخاطب الزمن الطويل، ولا يؤثّر في السلوك الظاهر فقط، بل يعيد تشكيل البنية الذهنية التي تُنتج هذا السلوك، من هنا، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا ينقل الإعلام الثقافي؟ لأنّ هذا السؤال يفترض مسبقا حياد الوسيط، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف يصنع الإعلام الثقافي الوعي؟ وبأي منطق رمزي؟ ووفق أية مصالح ورهانات؟
ولذا ننطلق من هذا التحوّل الجذري في السؤال، لاقتراح مقاربة ترى في الإعلام الثقافي جهازا معرفيا ورمزيا، يعمل على إنتاج الوعي، وإعادة هندسة الحسّ المشترك، وصناعة ما يمكن تسميته بالعقل الثقافي العام داخل المجتمع.