Abstract:
تميّزت التّجربة النّقدية في الجزائر بتنوّع مشاربها، وتدفّق رآها المقترنة بالجماليّ في مكوّنات ثقافيّة مختلفة تعمل على استظهارها عمليّة القراءة، والتّلقي، تقوم بها الذات المفكّرة المرتبطة ارتباطا وثيقا بالماضي، وعميقة الصّلة بالواقع المتخيّل، حيث يظهر الأديب، والنّاقذ على حدّ سواء وعيا بعمليّة االقراءة، فهما بين انتمائين، الأوّل انتماء الذّات والثّاني انتماء نحو المجتمع، أين يعمل على تحليل، وتتبّع، واستكناه بنيات النّصوص المعقّدة، والعميقة المتاحة منها والمانعة.
لقد بدى التأثير الخفيّ للاستعمار، والأيديولوجيا يستفحل منذ البدايات الأولى من الاستقلال مجسّدا في أعمال سرديّة جزائريّة رسمت على صفحاتها مظاهر ما بعد الكولونيالية، ولا ريب فالجزائر خضعت لهذه الظّاهرة ردحا من الزّمن ليس باليسير، فألحّ القارئ لهذا المنجز الرّوائيّ في السّؤال حول كيفية تأثير الثّقافة في عالم ما بعد الكولونياليّة ومتطلّبات ما بعد الحداثة على فكرة الاختلاف، وعملها في الأنساق السلطويّة، وتنشيط بؤر المقاومة الّتي تؤثّر حتما على المواطنة الثّقافية، وعلى تشكّل الهويّة، وضبط الصّراعات الاجتماعية.
تمكّن المفكّر الجزائريّ من تحقيق القيمة المضافة في مشروعه الّذي تبنّى فيه مرتكزات الخطاب ما بعد الكولونيالي كأحد أرز مكوّن للمشهد النّقدي الجزائريّ المعاصر، لأنّه أسّس لأدوات قرائيّة معاصرة قادرة على مسايرة التّطوّرات المتسارعة في عالم الأدب، والنّقد، ولهذا اعتبر المشروع نقلة نوعيّة بإجراءاته، وأدواته ومصطلحاته، الأمر الّذي ساعد الباحثين، وطلبة الدّراسات العلىا تقديم مقاربة نقديّة ضمن هذا المشروع أثناء تلقّي الرّواية ما بعد الكولونياليّة الجزائريّة وبهذا يطمح الدّارس في هذا الطّريق إلى تفكيك الخطاب، والعمل على إعادة إنتاج قوى التّمركز، واحتواء المهمّش عن طريق الرّدّ بالكتابة، وتحليل الأنظمة الثّقافيّة.
وعى الدّارس الجزائريّ منذ البداية ضرورة أن يكون متمرّسا، وخبيرا في النّظريات النّقديّة المختلفة الّتي تمكّنه من امتلاك استراتجيّة التفكيك، والتحليل لنصوص روائية حبلى بالأنساق المضمرة، وانبرى ثلّة من من هولاء المفكّرين النّوعيين أمثال الرّاحل عبد المالك مرتاض، وواسئني الأعرج، أمين الزّاوي، وآمنة بلعلى، وغيرهم ممّن فرضوا أقلامهم على السّاحة الفكريّة بصفة عامة، والّذين جعلوا من الأداة النقديّة المعاصرة المعتمدة على مقولات النّظرية ما بعد الكولونياليّة أكثر موائمة لقصديتهم القرائيّة.
لا يمكن أن تحدث العمليّة النّقديّة من فراغ، إذ لابد وأن تنطلق من عمليّة إبداعيّة سبقتها، وتظهر علاقة التّابع بالمتبوع، أين يُعتمد على قانون التّلازم في الحضور، والغياب، لأنّه قبل الولوج إلى عالم النّقد نقف على عالم النّصّ ووظائفه المتعدّدة أهمّها الوظيفة الثّقافيّة، والوظيفة الاجتماعيّة، والوظيفة الحضاريّة، ومن ثمّ الوظيفة الجماليّة، فموضوع النّصّ الأدبيّ هو العالم، أي الإنسان، وكلّ ما يحيط به، ويصبح واقعا قابلا للقراءة من خلال اللّغة تلك الأداة المشتركة بين الميدانيين الإبداعيّ منه، والنّقديّ.
بحكم الإزدواجيّة اللّغوية الّتي تتميّز بها الجزائر، وهو وضع ناتج طبعا عن وضع كولونياليّ سابق ساهم في أن يبحث المفكّر الجزائريّ بيسر في معنى المعنى، وإعادة كتابة النّص الإبداعيّ كتابة نقديّة تحويليّة تلد لنا نصا ثان هو النّص النّقديّ، دون إهمال السّياقات الخارجيّة الّتي تتمّ فيها عمليّة التّلقّي الّتي تفسّر التّشكيل اللّغويّ.
تركّز مجريات الأحداث السّرديّة الجزائريّة، وتسلسلها، وتشابكها على تيمات اللّغة، والتّاريخ، والذّاكرة والأيديولوجيا من ريح الجنوب حتّى العشاء الأخير لكارل ماركس، وكلها محطّات تغوي القارئ، فتأخذه إلى عالم ما بعد الكولونياليّ أين تتجسّد فحولة اللغة، وتفهم بواسطتها الأنا ذاتها، فتعيد ترتيب أوراقها مقابل الآخر