Abstract:
تفهم الهوية، في أفق فلسفيّ نقدي، بوصفها نسقا من المحددات الرمزية والمعيارية التي تمنح الفرد تميّزه داخل الجماعة، كما تمنح الجماعة فرادتها إزاء غيرها. فهي ليست جوهرا ثابتا مغلقا، بل بنية دلالية مركّبة تتأسس على عناصر كاللغة والدين والعرق والمكان، وتتغذّى من الذاكرة التاريخية والتجربة المشتركة. وعلى الرغم مما يبدو عليها من رسوخ، فإنها تظلّ في جوهرها كيانا ديناميا، يخضع للتحوّل وإعادة التشكل، خصوصا في سياقات الاحتكاك الحضاري والانفتاح الثقافي، أو في ظل مشاريع الهيمنة التي تسعى إلى الطمس وإعادة الصياغة القسرية. في هذا السياق، تغدو الكتابة الإبداعية فعلا ثقافيا مقاوما، لا مجرد تعبير جمالي. إذ ينهض المثقف بدور الحارس الرمزي للهوية، مستثمرا الأشكال الفنية في صون الذاكرة الجماعية من التآكل. ومن هنا اكتسب الشعر في الثقافة العربية منزلة الديوان، بما هو خزان الوعي الجمعي وسجلّ التحولات التاريخية في السلم والحرب. وعلى هذا الإرث الرمزي سار الشاعر في الجزائر، لاسيما خلال الفترة الممتدة بين 1925 و1962، حيث واجه المشروع الاستعماري الفرنسي الذي لم يقتصر على السيطرة السياسية، بل استهدف إعادة تشكيل الخريطة الثقافية وإعادة تعريف الذات الجزائرية وفق منظور إدماجي. لقد تحوّل سؤال الهوية في الأدب الجزائري إلى بؤرة جدل نقدي وفكري، بفعل تعقّد المسار التاريخي وتعدد الروافد الثقافية واللغوية والعرقية التي أسهمت في تشكيل الشخصية الجزائرية عبر العصور. وفي خضم هذه التحولات، غدت القصيدة فضاء لإعادة بناء الذات ومساءلة ثوابتها، ولإنتاج خطاب يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والآخر. وهكذا لم تكن الهوية في الشعر الجزائري معطى جاهزا، بل مشروعا دلاليا يتشكل تحت ضغط الواقع، وتتقاطع داخله الأبعاد الوطنية والإثنية والدينية والحضارية في بنية واحدة، متوترة ومتكاملة في آن. انطلاقا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى مقاربة الهوية بوصفها بنية متعددة الأبعاد، واستقراء تجلياتها في المدونة الشعرية الجزائرية ضمن المرحلة المحددة، من خلال الكشف عن أركانها الدلالية وأنساقها الرمزية. فغاية الدراسة ليست تثبيت تعريف مغلق للهوية، بل مساءلة تمثّلاتها الشعرية، ورصد آليات تشكّلها في سياق تاريخي اتسم بالصراع والتحول، بما يتيح فهما أعمق لكيفية انبثاق الوعي الوطني من رحم التجربة الجمالية.