Abstract:
تهدف هذه الأطروحة إلى وضع آليّات جديدة للتّحليل التّداولي، من خلال التّّكيز على مظاهر التّداخل
المعرفي والإجرائي للتّداوليّة مع الحجاج واللّسانيّات العرفانيّة، واستثما رها في وضع منهجيّة متكاملة لتحليل مختلف
النّصوص العلميّة والأدبيّة.
فقد عملت التّداوليّة منذ ظهورها على الإفادة من كلّ ما من شأنه خدمة مبادئها وأركانها )من قضايا
ومفاهيم وظواهر...(، لتحقيق الكمال والشّموليّة في دراسة اللّغة وتفسيرها، ما جعلها تتداخل مع عدد من
الاتّّاهات والمجالات والعلوم المعرفيّة في مختلف التّخصّصات )اللّغويّة وغير ال لّغويّة(.
من ذلك تداخلها مع الحجاج بوصفه علما معاصرا قائما بذاته له نظريّاته وتطبيقاته، خاصّ ة من جهة
توسّله باللّغة في تحقيق الإقن اع والتّأثير في المتلقّين، ومع اللّسانيّات العرفانيّة بعدّ ها اتّّاها لسانيّا معاصرا متناميّا،
يُعنى بتفسير اللّغة تفسيرا ذهن يّا من خلال ربط العمل يّ نتج
ُ
ات الذّهنيّة الم ة ل لّغة بمختلف العمليّات الذّهنيّة الأخرى،
ومختلف التّجارب الإنسانيّة المجسدنة.
وقد سمح تداخل التّداوليّة مع الحجاج واللّسانيّات العرفانيّة من إعادة الاعتبار للوظيفة الحجاجيّة بوصفها
الوظيفة الأساسيّة للّغة، والإقرار بالتّفسير الدّلالي اللّساني البنيوي، من جهة، ومن جهة أخرى إدراج ال تّفسير
الذّهني لعمليّة إنتاج المعنى أثناء الاستعمال؛ آن التّفكير )الكلام والاستماع(، بوصف ال لّغة بنيات متكاملة
ومتّابطة، وجزء لا يتجزأ من القدرات اللّغويّة، وانعكاسا للتّجربة الجسديّة التّّ تتّسّخ في الذّهن في شكل
خطاطات ومناويل عرفانيّة.
ومن ثمّ أنتج هذا التّداخل توسيع مفهوم الفعل الكلامي وقيّام مفهوم الفعل الحجاجي، وتطوير القضايا
الأساسيّة للتّداوليّة الكلاسيكيّة )الأفعال الكلاميّة، الاستلزام الحواري، ا ولاف تّاضات المسبقة والإشاريّات(،
بإسنادها إلى المنوال العرفاني المؤمثل (ICM) ، علاوة على استحداث عدد من المفاهيم خاصّة منها التّداوليّة
العرفانيّة )الفضاء الذّهني، مبدأ الوصول، المفهوم المخصّص...(.
كما مكّن استثمار مظاهر هذا التّداخل من وضع منهج يّة متكاملة لتحليل ال نّصوص تداوليّا، تُحقّق تضافر
ثلاث ركائز أساسيّة لإنتاج النصّ وتأويله: السيّاق والوظيفة الحجاجيّة للغة ا ولذّهن، جعلت هذه المنهجيّة
التّحليليّة تتميّز عن غيرها من المنهجيّات اللّسانيّة الأخرى وتتعدّاها بتجاوزها لكثير من النقائص، وذلك لاهتمامها
بسيّاق النصّ وتراكيبه البنيويّة وعمليّة إنتاجه وفهمه وتأويله في الذّهن، بما يفرض ال تّمازج ا ولتّكامل.
الملخّص
2
فالمعنى والمقاصد التّّ ي تَُوخّى بلوغها أثناء التّحليل متحرّكة ومتغ يرة، ومن ثمّ فإنّها تتطلّب آليّات مرنة
ومتحرّكة كذلك يُُكنها الإمساك بالمعنى، وهذا ما تُحقّقه هذه المنهجيّة المقتّحة، بما تو فّره من آليّات س يّاقيّة تداوليّة،
وحجاجيّة لسانيّة، وعرفانيّة، يُكنها أن تتكيّف مع طبيعة النصوص وخصوصيّتها، وقابلة لأن تتط وّر وتتنامى
وتُصقل وتُدعّم بما تُفرزه تطوّرات العصر ممّا يخدم التّداوليّة.
وانطلاقا من هذا، تكون التّداوليّة المعاصرة بانفتاحها على الحجاج وال لّسانيّات العرفانيّة، قد خطّت معالم
وأسس قارة وثابتة نحو تحقيق التّحليل التّام لإنتاج اللّغة وفهمها، ومن ثمّ إنتاج النصّ وتأويله.